ابن خلكان

مقدمة 26

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

سقاك سار من الوسمي هتان * ولا رقت للغوادي فيك أجفان وكيف أن أحد الحاضرين وقع عندما سمع الغناء ، فظنه الناس مغمى عليه ، وإذا هو قد فارق الحياة « 1 » ، وتلك كانت بداية تعرفه إلى شعر سبط ابن التعاويذي الذي أصبح فيما بعد نموذجا للشعر الرائع في نظره ، وكذلك ظلّ يذكر ما كان يردده الناس من أن ابن عم لابن المستوفي نقل كتاب « نصيحة الملوك » للغزالي من الفارسية إلى العربية « 2 » ؛ وربما كان اهتمامه بذلك لأهمية المؤلف من ناحية ولجلالة ما أقدم عليه المترجم من ناحية أخرى . وهو يحدثنا أنه سمع في بعض شهور سنة 621 صحيح البخاري على أبي جعفر محمد بن هبة اللّه بن المكرم الصوفي البغدادي بحق سماعه من أبي الوقت السجزي « 3 » فابن المكرم الصوفي على هذا الاعتبار واحد من أساتذته في هذا الدور المبكر ، ولكنه يذكر أن ابن المكرم توفي في شهر المحرم من تلك السنة ( أي في أوائل العام المذكور ) ولعلّه سها هنا عن تدوين التاريخ بدقة ، وربما كان سماعه منه في شهور السنة السابقة ( 620 ) . وفي سنة 623 ورد ابن عنين الشاعر الدمشقي إلى مدينة اربل رسولا من الملك المعظم شرف الدين عيسى صاحب دمشق ، ورآه أحمد ، ولكنه لم يأخذ عنه شيئا ، وربما كان سبب ذلك قصر المدة التي قضاها ابن عنين بتلك المدينة « 4 » ؛ وكان أحمد في هذه الأثناء كثير الترداد من اربل إلى الموصل ، حتى أنه زار هذه المدينة الثانية أكثر من عشر مرات ، وكان نصر اللّه ابن الأثير مقيما بالموصل ، وكان أحمد يعرف ما بينه وبين والده من صداقة ويحب لو يتاح له الاجتماع به في بعض سفراته ليأخذ عنه ، ولكن التوفيق لم يحالفه في ذلك « 5 » ولعله حمد - في سره - ما قدّرته الظروف ، إذ لا ريب أنه كان يسمع عن ما يتمتع به ضياء الدين من خيلاء شديدة ، تحول دون أن يلقاه فتى ناشىء ولو كان من أبناء أصدقائه .

--> ( 1 ) الوفيات 1 : 317 - 318 . ( 2 ) الوفيات 4 : 151 . ( 3 ) الوفيات 3 : 226 . ( 4 ) الوفيات 5 : 15 . ( 5 ) الوفيات 5 : 391 .